جرت العادة أنني أقضي أسبوعين في السويس ثم أعود إلى البيت يومي العطلة ثم إلى السويس مرة أخرى، بالطبع لم يكن هذا في الأيام الأولى، فقد استغرقت فترة لا أتحمل أكثر من أسبوع واحد أو بالأصح أربعة أيام دراسية من الأحد إلى الأربعاء حيث ليل الأربعاء أكون ببيتي وليل السبت بالمدينة.
فكان هذا مرهقا إذ أتحمل عبء سفر طويل مابين ست و سبع ساعات، إذ لا يوجد طريق مباشر نحو البيت، سأسهل عليك الأمر بالتخيل، حين أعود أتحرك من السويس إلى الإسماعيلية ثم منها لطريق يعرف بالمفارق، ثم من المفارق لمكان ما داخل محافظتي ثم ثلاث مواصلات داخلية أكون بعدها قد وصلت، فأتقلب بين الطرق وبين الموصلات وهذا غاية الإرهاق، فما أكاد أن أستريح حتى أشد الرحال مرة أخرى بعذاب آخر، وترتب على ذلك ألا وقت لمراجعة السابق دراسته في الأيام الماضية.
فكان قرار الأسبوعين جيدا، أسبوع أرتاح فيه من مشقة السفر وأذاكر ما قد مضى، وأسبوع للراحة النفسية وتعويضا للمعدة معاناتها مع هذا الشيء المسمى بالطعام، طعام المدينة، بالطبع ولسبب ما كنت أحمل معي كتبي وأنا عائد إلى بلدتي، لكن قل أن أفتحها بل أن أخرجها من الحقيبة، كأنها تذهب في نزهة وتعود منها، كان ذلك بسب شيء لم أستطع التخلص منه حتى الآن، الضمير.
حتى بعد أن مضت السنون وأصبحت لا أعبأ بكثير مما ألاقي في أمور الدراسة، كان ذلك الشيء الخفي ينغص علي الوضع فيحركني، أحيانا أمضي أكثر من الأسبوعين في السويس، ويكون ذلك بسب التزامات جديدة تظهر كالامتحانات بأنواعها وغيرها، وبالعودة إلى أسبوع أكون فيه هناك، كان من أكثر ما يميزه أنني لست مجبرا على الاستيقاظ باكرا أو الذهاب لا للمعمل ولا للمدرج، وأحيانا أستجم بالخروج إلى الأربعين ثم إلى الكورنيش حيث أرى أناسا طبيعين لا مشرفين وطلاب، لكن قل خروجي في تلك السنة.
وبالتأكيد يوم الجمعة، حيث تستيقظ قبيل الصلاة لتذهب إلى المسجد الكبير مسجد الإمام علي بن أبي طالب، ولقد تعلقت نفسي بذاك المسجد أيما تعلق، كلما ضاقت نفسي أخرج إليه للصلاة، ومما يميز أهل هذه المدينة - السويس- اهتمامهم الشديد بالمساجد ، قلما تجد مسجدا ينقصه شيئا، و لا تجد أبدا إهمالا في النظافة كما في كثير من المساجد في أماكن آخرى، كما أن غالب الأئمة على مستوى عال من قوة الحفظ وحسن الصوت وكذلك المؤذنون، وكان معظم الخطباء على قدر كبير من العلم وحسن الإلقاء.
حضرت خطبا للجمعة في أماكن كثيرة ولم أجد أفضل من ذاك المسجد، أما عن المدينة يوم الجمعة فيقدمون في الغذاء (تونة) وأنا لا أحبها فكانت عادتي أن أنهي صلاتي ثم أمر على أحد المطاعم في النور بدلا من تلك الوجبة.
