وجدت منشورا على الفيس بوك، منشورا وعظيا، يتحدث فيه عن شخص ابتلاه الله بالضعف بعد القوة والحركة، ويحض الناس على معرفة نعم الله عز وجل وأنه قادر على تبديل حالك من حال لحال.
لو كان كذلك على هذه الصيغة لكانت تذكرة حسنة، لكن المشكلة أن صاحب المنشور تحدث عن شخص بعينه تحدث عن مؤمن زكريا.
وأنا لا أرى انحطاطا أشد من التمثيل بخلق الله ممن يزال على قيد الحياة، ألم تكن قصص الظالمين في القرآن ومصيرهم، وقصص الطواغيت الذين سبقونا وانهيارهم، أو قصص العتاة ممن عاصرناهم فكسرهم الله، لك كافية حتى تعْدل عن كل هذا فتتحدث عن شخص ابتلاه الله وتُمثل به.
والمصيبة أنني وجدت أكثر من منشور كذلك، يقدم كلماته الوعظية بالتعرض لحال مؤمن وما وصل إليه.
بداية دعنا نثبت البدهيات، حتى نقف على أسس واضحة، فليس من الدين ولا العروبة ولا الرجولة أن تذكر ابتلاء شخص وتعظ به، فمعنى أن تتذكر نعمة الله عليك بالبصر، لا يعني أن تذهب أمام شخص أعمى وتقول الحمد لله أن الله حرمك البصر وأعطاني.
ومن هنا نرى خلل الجانب الوعظي سواء ممن اختيروا لذلك أو من نصب نفسه واعظا.
هي كلمات تعاد، فإن كانت بالصيغة الدينية وقائلها يرتدى الجلباب ويقف على منبر فهو شيخ(واعظ)، وإن كانت بصيغة الوهم من شخص يرتدى البدلة ورابطة العنق، فهي تنمية بشرية، وإن كانت بصوت التعالي وعبق الماضي و ضوء - لمبة الجاز- فهي وعظ الأجيال السابقة الذين لا يخطئون على عكس من سواهم، وإن كان حماسيا ممن بدأ شعر لحيته ينبت فهو وعظ الأسر من طلاب الجامعات وغيرها.
تجد الوعاظ على المنابر لا يكاد أحدهم ينطق جملة باعراب سليم، يحدث الناس كأنهم ملائكة، يرمي بكلام كأنه لا يعيش الواقع، كأنما يخطب في عصر الصحابة، يفسر آيات القرآن بما يخدم فهمه حتى لو كانت اللغة تأبى ذلك، من برج عاجي يصور عالما موازيا على صورة مثالية ويطلب منك أن تنضم إليه،ومع جهله هذا، تجده يحل نزاع الفقهاء في لحظات، يتخيل أن الله فتح عليه ما لم يفتح لغيره، وإني سمعت أحدهم يقول: المسلم لا يصاب باكتئاب أبدا ومن أصيب به فعليه أن يراجع إسلامه.
وأما أصحاب التنمية البشرية مع تعدد مسمياتها كلما دنسوا مصطلح أحدثوا آخر ومع تعدد الطرق والأساليب فسقفهم معروف مفضوح، لا يعدو أحدهم إلا أن يكيل لك مجموعة من البدهيات ويبيعها لك بأغلى الأثمان، فإن كنت غبيا فلا تقلق! ادفع لي ألف جنية وسأقنعك أنك لست غبيا!
وأما الأجيال السابقة المتحاملة على جيلنا المسكين، يحدثك أحدهم عن مأساته ومعاناته، مقتنعا أن تجاربه القديمة مع اختلاف الأسباب والزمان هي الصحيحة ولا صحيح سواها وأنك إن عرفت ما لم يعرف أو عاملت ما لم يعامل هو، فمازلت طائش ولابد أن تلتزم بما يقال لك، لأنك لم تستذكر دروسك على لمبة الجاز!
وأما شباب الأسر، فالموضوع طريف حقا، وإن كان فيهم خير إلا أن وعظهم بحال من الأحوال لا يخرج عما سبق ذكره غير أنهم مدفوعون بمزيد من الحماس.
ثم بعد ذلك من الوعظ فهو عشوائيات، كل من رأى من نفسه ما يسره أو ازداد في العمر سنة بحث عمن يصغره وعلى هذا فالكل واعظ والكل عليم وخبير.
إن غالب الوعظ في زماننا هذا غث ولا سبيل للخلاص إلى أن تتفق مع أحد -السباكين- أن يركب على أذنك ما يعرف ب - السيفون- لتصرف به ما تسمع في مجاري العبث.