مادة الإنتاج
كانت لهذه المادة سكاشن عملية أسبوعيا في الورشة، وقد كنت أحسب أن المعمل هو الملانهاية حتى رأيت هذه الورشة ورائه، مسؤول عنها عمال على أقسام منها لحام وخراطة ونجارة.
و أكثر ما قد يجد الإنسان هناك بل في مجتمعه عموما ما يعرف بعقدة النقص، فتسوء المعاملة، وجدت ذلك أيضا من البعض لما تدربت في الشركات و تعاملت مع بعض خريجي علوم، هل يفعل ذلك لأنه يراك تهديدا له، أو يخرج ما يلاقاه عليك ليعالج مرضه النفسي؟ الله أعلم، و الأمر أيسر من ذلك، فليس ضروريا ولا واقعيا أن يصنف الناس بشهادتهم، شخصية المرء أهم بكثير من تلك الورقة كما أن العلم أكبر بكثير أن يختزل في ورقة مختومة!
أذكر بعض عمال الورشة لكن ليس بالتصرف _ النبيل-* أن أذكر الأسماء أو أتحدث عن واحد منهم كانت تصحبه ضحكة بلهاء كلما رأنا مساقين نحوه.
لكن الأدهى والأمر أن يتحكم هؤلاء في مستقبلك، كفاك الله شر ذي عقدة النقص إذا سلط عليك، وقتها تتنازل عن قدر من كرامة الإنسان التي كرمه بها الله، إما ذلك و إما أن تتوقف كثيرا بالطريق، وفي بعض الأحيان تتوقف أبدا، كان موعدي هناك يوم الأربعاء، فثقل علي ذلك إذ أتأخر في الرحيل.
في هذا النصف من العام بدلت بعض السكاشن، كانت معارفي وقتها مازالت قليلة إلا أن الله شاء أن ألتقي باثنين، أحدهما سويسي وكان مثقفا مهتما بتاريخ السويس مدافعا عنها فكنا في فترة الفراغ نتحدث ونناقش أمورا كثيرة، على الرغم من كرهي للسويس وقتها و المعمل كنت أنتظر يوم الاثنين حتي ألتقي بهما ونتحدث، أتذكر ذات يوم دعوت له قائلا: رزقك الله سفرا لا تعود منه إلا السويس، فرَضي بالجزء الأول _ السفر_ أما عدم عودته للسويس فرد قائلا: لا لا أريد ذلك ثم قال: كل صرصور يحن إلى بالوعته، كان أول صديق فعلي لي من أهل هذه البلده ولا يزال كذلك، أما هو فقد التحق بقسم فلزات، وأما الآخر فقد حول من الكلية ومن السويس نهائيا والتحق بهندسة بلاده.
بالعودة للمدينة ثانية، فلا جديد يذكر ولا قديم يعاد يتكرر ما يتكرر مذ أول يوم، غير أنه كان يهون علي أشياء عديدة منها جانب روحي ديني، فكان صوت المنشاوي رحمه الله رفيقا لي هناك، ومنها مشاركة المعاناة مع إخوة لك بالمدينة يقتلون الواقع بالسخرية.
ولقد لجأت إلى هذه السخرية ثم أصبحة سمة في، فإن لم أجد ما أسخر منه سخرت من نفسي، وكذلك كانت مبارة ريال مدريد ساعة ونصف أضع فيها كل تلك الضغوط وراء ظهري، فإن كانت المبارة تستمر بعد العاشرة تابعتها على الباقة، كنت لا أترك جدلا إلا شاركت فيه، وإن كانت مبارة ليلة الامتحان لم يثنني ذلك عن رؤيتها، أحيانا كنت أسافر مبكرا كي لا تفوتني المبارة وأخرى كنت أتغيب عن السفر كي أشاهده في الحضر، لا أجد ما أقول عن أفضل صديق بالعالم، له الانتماء حيث لعب فوق أي أرض أو تحت أي سماء، كان يمر اليوم عصيبا علي لكني كنت أقول لنفسي لا بأس، سترى مدريد اليوم!
.....................................................
*الرجل اسمه نبيل وهذه تورية مني
