
ها نحن ذا أمام مدينة السلام الجامعية، ككوكب بلوتو - سابقا_ إلى الشمس، مكان منزو معزول، بعيدا نوعا ما عن حركة الحياة، وإن لم تكن بالمسافة البعيدة جدا التي تتقطع بك السبل، إلا أنها كافية جدا لبث الكسل في أركانك وقت تَهم الخروج.
رمال تحوطها، وحجارة متناثرة أمامها، و بنيان حولها لم يكتمل، وآخر قارب السقوط، وكلاب ضالة لا تنفك تراها يمنة ويسرة، تلفت حول المكان لا تكاد ترى فرقا بين شماله وجنوبه شرقه أو غربه، هـِنّا في أبعد مكان وصلت إليه على الإطلاق، أجر حقيبة وأحمل أخرى، قدمنا أسمائنا و بعد لائ استلمنا غرفتنا، وكانت في الطابق الرابع العلوي، حيث لا يزونا الماء إلا فيما ندر، سأعود لأرخص موجود وأثمن مفقود - الماء- فيما بعد.
استلمنا مفتاحها، ولجنا فإذا نظرت وجدت سريرا علوي وآخرى سفلي في ثلاث فهذه ستة، وكعادتي دائما - رحمني الله منها- لا يتنفس أحد إلا استيقطت، كثير القيام ليلا فكنت بالأسفل، ولا أحدثك عن صرير أو صفير تلكم الأسرة، فلا يصعد صاعد أو ينزل نازل أو يتقلب أحد في مضجعه إلا أصدر من ذلك ما أصدر، وإن توافق صوتان أو أكثر تسمع سنفونية من سنفونيات الراحل بتهضوفن، ثم مسخنة في السقف لا أقول مروحة، والله يصعب علي جهدها حين تصب علينا السويس من حرها.
وفي مثل تلكم الأيام لا يغني عنك من حرها شيء حتى لو وقفت تحتها بل لو احتضنتها، ثم دلاوب كبير مقسم تقسيم الأَسرة علوي وسفلي، لا يضرك في شيء لكن احرص ألا تصطدم به.
و لو تركنا الجانب القصصي قليلا ثم توجهنا إلا الجانب النفسي أو الفكري أو الفلسفي، فإن رحلة السويس عندي جاءت على مراحل أولاها تيه وانهيار تبعها كره و ضيق نفس ثم قبول وكان آخري عهدي بها حبها وحب أيامي بها، وأظنها مراحل لا تختلف عند الكثير إبان فترتهم الجامعية، الفرق فقط في التعامل مع هذه المراحل، من الناس من يظل حبيس مرحلة واحدة، ومنهم من يجتاز بعضها و منهم من يصل لآخرها، ويتفاوتون في ذلك، بين من يتجاوز عقباته سريعا، ومن يأخذ وقتا أطول حتى يصل.