وبالنسبة لي كانت تلك هي الحالة، فكانت أول سنة بأكملها رهبة وانهيار ثم كره في الثانية والثالثة ثم قبول في الرابعة ثم راحة وحب في الخامسة، تلك الخامسة التي لم تكتمل، فإن كنت فرحا بهذا الانقطاع والعزلة عن المحاضرات والامتحانات إلا أنني لم أتمنى أن يكون وداع تلك المدينة التي ظلمتها بادئ أمري بهذه الطريقة.
أما عن فترة التيه والانهيار فزكريات ماتت و أجد في نفسي ضيق أن أحييها من جديد، لكن أما إن قلت سأقصص، فلا بأس أن أراها مرة أخرى، لا سيما أنها أثرت فيما أنا فيه الآن، وشئت أم أبيت لا أقدر محو هذا الأثر مما قد بقى من عمر، الشيء المهم الآن أنها مضت ومضى معاها سيئها، وتبقى ما خلفته من أثر حسن.
كما تعلمون أن طالب الثانوية ببلدنا ثروة في نظر أهله، تراهم يأملون فيه ما يأملون، وعادة ما يحظى بالاهتمام الأكبر، وأيضا تعلمون أن نتيجة الثانوية يتبعها رغبات فتنسيق، يتفرق الأقران بين محافظات مصر وجامعاتها، و بالنسبة لكليتنا ولأسباب بديهية يندر أن يجتمع اثنان من نفس المدرسة بل حتى المكان، المهم بعد تسعة عشر عاما تقريبا ، تجربة جديدة مختلفة عما سبق، الطالب الجامعي الآن مسؤول عن كل شيء من بداية اليوم لآخره بعدما كان يحظى بكل شيء من شهور خلت.
أما عن التيه فذاك أول ما يكون وقت تحل المكان لأول مرة، لكن الانهيار لا أستطيع تحديد له بداية ولا نهاية فهو يأتي تدريجيا وكذاك يختفى.ولنفس ذات الأسباب المنطقية السابقة، فإن كليتنا تضم من محافظات مصر كلها شرقها وغربها شمالها وجنوبها، تنوع رهيب قلما تجد له مثيل في باقي الكليات، يتقابلون جميعا كل بعاداته وتقاليده، وأفكاره يؤمن بها و أخرى ينبذها، وأنت إما باحث عن التشابه فإلم تجد فإمكانية القبول أو ما يعرف بالحلول الوسط، لكن هذا غير ممكن، فأنت مضطر أن تلقي بنفسك وسط هذا البحر من التنوع والاختلاف، وإلا ستقف عاجزا، لابد من خوضك تجربة غير معروفة النتائج، وتتوالى التجارب حتى تستقر النفس.
تراك وسط هذا الحشد تراجع من الأفكار من كنت حسبته من المسلمات، تقدم على أشياء ما خلت نفسك تفعلها، و تتقهقر عن أخرى ما كنت لتتركها، ذاك من جدال أو سجال أو نقاش لا محالة بين الرفقاء واقع أو مواقف تمر به أو أشياء تصل إليها بالتجارب،بقيت ركائز نفسي القديمة لكن نشئت لي نفس جديدة، تختلف علميا و فكريا واجتماعيا عن سابقتها.
نعم تشتاق لبعض مما كان في نفسك القديمة، لكن هذه ضربية لا بد من دفعها، أنظر في صوري القديمة أتذكرها أرى ما أحب وما كنت أكرهه فيها لكني الآن أفضل، ولا أجد في نفسي حرجا من نفسي السابقة، فهي من أوصلتني لما أحب الآن، وقد أكره ما أنا عليه الآن بعد سنوات أخرى طوال، لكن لا بأس فهي ستوصلي إلي المرحلة التالية وهكذا إلى أن يشأ الله أن يسترد أمانته، وتصالح الإنسان مع نفسه هو غاية الصفاء والسلام النفسي.
