إبان ذلك الوقت، غالب وقت المعمل، كنت أقضيه وحيدا، لا أعرف أحدا ولا يعرفني أحد، أتذكر جيدا أن صادف يوم عودتي مع أحد من طلاب الفرقة الأولى، وكان في أول الأمر أوائل طلاب الفرقة الإعدادية من السنة السابقة يسكنون مع طلاب الفرقة الإعدادية بدل من مدينة أحد التي هي في واد آخر.
سألني وقتها قائلا: لم تسير وحدك، قلت له أصدقاء السكن في السكاشن الأولى، وأنا في أواخرها، فلا أجتمع معهم على معاد، استمع إلي ثم قال بهدوء، نعم لكن هذا ليس بالسبب الكافي، أنا كل أصدقائي في أحد و لا تراني هنا منعزلا، ثم أتبع قائلا: أنت في مجتمع جديد، تجاوب احرص على خلق الصداقات والعلاقات.
أظنني نسيت ما قال يومها، لكن بطريقة أو بأخرى فعلت ما نصح به، وما إخال ذلك بعد فضل الله إلا كلماته، فإنك إن سمعت، تجد عقلا يترجم هذه الكلمات لشيء معقد، (الفكرة)، تسبح الكلمات المختلفة في بحر عقلك لتجد شبيها لها ثم تتحول إلى سلوك وأفكار تحركك.
وجزى الله طلاب الفرقة الأولى عنا خيرا، ترى معظمهم في المسجد يتولون أمره، كانوا يقدمون كل ما بأيديهم، أعدوا لنا شروحا في بعض المواد حيث نجتمع في غرفة المذاكرة نستمع إليهم فكان ذلك شيئا من التيسير والإعانة،
أما مسجد المدينة، فكان في الطابق الأولى كنت أصلى فيه أحيانا وأحيانا في الغرفة، كان يتقدم أحدهم ليلقي بعض من الكلمات الوعظية وأحيانا مقرأة للقرآن، فجزاهم ربهم خيرا على ذلك،
وأما غرفة المذاكرة فكانت في كل طابق من بعد المسجد، يجتمع فيها الباحث عن الهدوء والاجتهاد، يعتكف على محاضراته، ولقد ذهبت إليها فيما قل، لا لشيء غير أنني أحب أن أجرب كل شيء فإما أن أجد فيه ما يفيد فإلم يكن فلا أكون نادما على عدم فعله في المستقبل، وسرعان ما اتضح لي أنني لست من أهل تلكم الغرفات ولا يلائمني جوها فتركتها ورجعت حيث كنت.
كان ما سبق ثابت متكرر لعددة أسابيع، تستيقظ تذهب لمدرج المحاضرات ثم إلى المعمل ثم عودة أخرى إلى المدينة، ثم السفر ثم العودة مرة أخرى وهكذا هلم جرا.
