في أول عام لنا هنالك، كان يوم العودة إلى البيت فرصة للتخلص من السويس بأعبائها المختلفة، خاصة أكل المدينة، فرصة للمعدة أن تحصل على مكافئتها بعد ما تحملت أيا كان الذي تأكله، لكن ما إن يقترب عصر السبت حتى تضيق نفسك، يوم السفر إلى السويس ثانية، كأنك تساق إلى شجن، تمضي ساعات في الطريق لتصل قبل العاشرة حيث تغلق المدينة.
كان هذا الأسبوع الثاني وبدأ تقسيم السكاشن، و لأنني أبدأ بالميم كنت سيكشن رقم 13، كان معي صديق سكن كذلك، لتزداد الدنيا تعقيدا بعض الشيء، كان من سوء حظي وقتها أن لي سكاشن يوم الأربع وأحيانا الخميس، وكنت وقتها مازلت غير قادر على المكوث أسبوعين، فلا معنى من السفر الخميس حيث يضيع بالطريق، ثم السفر السبت، كان أمر مرهقا حقا.
والحل يومئذ أن تبحث عن سويسي هذا شرط ويكون في السكاشن الأولى هذا آخر و لا يتعارض معادك مع آخر عنده، فكان ذلك عملة نادرة، بل كان ما أعرفهم خارج نطاق الغرفة يكادون يعدون على أصابع اليد، وقتها كانت تسوء حالتي جدا، كنت أفكر من يوم أصل كيف سأحل هذا، لأرحل نهاية الأسبوع، كانت حلولي مختلفة حينها، تارة أتغيب وأخرى أستأذن المعيد، ولاحقا ذاك العام نصفه الثاني، كان هنالك متطوعا سويسيا جمع بعض مما يعرف وحل الأزمة لكثير من المغتربين، كنت أنا منهم.
ورغم أنني أرى كثيرا من رفقائي يحبون المعمل ويرون فيه جوا مختلفا وأفضل من الكلية الجديدة إلا أن ذلك لم يكن حالى، حينها تخرج من المدينة في آخر الدنيا لتقطع مسافة لا بأس بها سيرا على الأقدام لتصل إلى بوابة الجامعة الرئيسية تعبر طريقا ثم آخر، تبحث عن مواصلات المعمل، فما إن تصل لتجد مكانا هادئا، وإن هدوء الغربة لأشد وأقصى ألما من صخبها، إنه قاتل بارد، فإن الحياة وصخبها لتتداخل مع وجدانك فتنسيك بعض الشيء مما أنت فيه، على عكس ذاك الهدوء الضار في لباس النفع.
تمشي بعض الخطوات، تصل لمبنى قديم متهالك، مليء بالغربان فوقه ومن حوله، كأنها تُسنده خوف أن يقع، كنت أكره هذا المكان بكل تفاصيله، وكان أشد ما يقع في نفسي أن أرى غروب الشمس هناك، أرها قادرة أن تتحرك لنصف آخر وبلاد أخرى من الكرة الأرضية وأنا هاهنا عاجز أن أتحرك بعض الساعات إلي البيت، ترسل بأشعتها الأخيرة سهما بعد سهم من الغم، تودعه في نفسي فتضيق، هذه الأشعة كانت تذكري أنه هذا يوم آخر أقضيه هنا، وما أشد المعاناة يوم سيكشن الرسم الهندسي، هذا من عذاب الدنيا، تحمل أدواتك، تحرص في كل خطوة على ألا ينكسر منها شيء، تجلس ساعتين في قاعة كبيرة، ساعتان من التعذيب لا تشعر فيها بجسدك، تذهب والشمس لتعود مع الليل منكسر الظهر.
