مازلنا في اليوم الأول، لنترك الغرفة قليلا وهو شيء ما فعلته كثيرا أول عام هناك، ولكن
أربعة طوابق وطابق أرضي، غرفا على التوالي وعلى التوازي، لا خلاف بين واحدة عن أختها إلا الموقع، بالطابق دورتا مياة، أربع حمامات لقضاء الحاجة يقابلها أربعة للاستحمام، سخان، ثلاثة أحواض- على ما أذكر- وإليك ما أقوله ولا تسألني لماذا.
لا تدخلن أي حمام قبل أن تتيقن وجود الماء، لكن في حالة مدينة السلام هناك أمور أخرى لابد أن تتأكد منها، منها أن تتأكد وجود -ترباس- للباب احتياطا وتحسبا للهجمات المرتدة، و أحيانا، ولا أدري أستمر هذا أم توقف، بينما أنت بالداخل، تجد مياة متجه إليك، لا تقلق حينها، هذا ليس طوفان نوح عليه السلام، إنما هو العامل ينظف، فقط فنبه قبل فوات الأوان،( سأعود للحديث عن الماء لاحقا)،تبقى الطابق الأرضي و هو مطعم الطلاب وبعض الأمور الإدارية.
المهم، كان لأول ليلة هناك مشاعر مختلطة، طموحات كثيرة، نظرة قاصرة لم تكن تدري ما تفعل وما يُفعل بها من الأيام، كان كل همنا حينها، الاستيقاظ باكرا اليوم التالي، مع أقلامك وأوراقك، حضور أول محاضرة في عمرك، الفصل أصبحا مدرجا، والأستاذ صار دكتورا، كان يوم الثلاثاء وكانت محاضرة مادة الاستاتيكا، ورغم أنها كانت تمهيدة حينما عدنا أصر أحد الرفقاء على أن نذاكر معا الوحدات_ وحدات القياس_، صارت بعد ذلك ذكرى للضحك، نزفه بها كلما أردنا.
أتذكر تلكم الأيام الأُول، أضحك كثيرا على حالي وأستغرب لأسئلتي حينها، كنت أنا وغيري نثقل على من سبقونا في ذاك المكان بأسئلة قل ما يكون منطقيا فيها، وكثر بداهتها وحمقها، لكني أذكر هؤلاء جيدا، أذكر كيف صبروا وكيف كانوا لا يردون أحدا بدون إجابة أو طمأنينة.
و ستجد كثيرا لا يذكر كيف كان قبل أن يمن الله عليه، فيصيب من كان مثلهم من سنوات قليلة باللمز والسخرية، سخرية من أسئلتهم، طموحهم، رغباتهم ويكأنه بهذا الثبات و ادارك التجربة حين جاء من بيته، كأنه لم يعش هذا القلق، ويخوض هذا الخوف، ويحرص ذاك الحرص.
