هنالك في الطابق الرابع في آخره في غرفة سبق وصفها أفرغنا أمتعتنا و قد قلنا: من يرد سريرا سفلي يأخذ دولابا علويا، والعكس بالعكس، كان التعارف وديا و سطحيا، كأي صداقة جديدة هكذا تبدأ، وقتها لم أكن أعرف الكثير عن كل شيء تقريبا، عن هذه المدينة التي سأقضي بها العام و لا عن هؤلاء الرفقاء ولا حتى عن الكلية إلا قليلا مما قرأته من الدفعات السابقة.
والحق يقال، إن أكثر ما يميز هذا الكيان - الكيان البترولي_ روح التعاون والمساعدة، - وإن وجد خلاف ذلك- إلا أن الأول هو الغالب، كل دفعة تتولى أمر من يلها عرفا صار قانونا، فكثير من المطوعين يحملون على عاتقهم هم هؤلاء فيخففون ولو قليلا من حدة الحال الجديدة ويأنسون - ولو قليلا- غربة السويس.
ومع أقوال الناس الذين لا يفتئون أن يعجنوا إذا ما وجد العجين، لا حد لهم لا في الفتاوى وفي كل شيء يعرفون أو لا يعرفون كان غاية ما أعرفه في هذا الوقت في تلك الغرفة عن الكلية أنه لابد أن يلتحق المرء بقسم بترول المعروف بحفر، ورغم الكلام عن الأقسام إلا أنها رغبة مستكنة عند المعظم في ذاك الوقت، أخفها أو أظهرها إلا أنها ستظهر مع تلك الورقة المعروفة بالرغبات، وكم من قائل: سأدخل فلزات وتراه في حفر!
المهم كان هدفي وقتها، أن ألتحق بحفر فإلم يكن ففلزات، ولا سبيل أبدا لدخول هذا القسم المعروف بـ( تكرير) وكان لي صديق قال سأدخل تكرير، المهم انتهى به الحال في كريدت وانتهي بي في تكرير، نعم أتذكرون حين قلت لا سبيل إلي رفقة سكن مع منوفي ولم تصمد هذه الفكرة طويلا، نعم لم تكن القناعة الوحيدة التي سقطت، ضف إليها هذه واترك القوس مفتوحا.
إذن فلماذا حفر؟ لأنني أريد الحصول على ما يقوله هؤلاء، وتعرفون جميعا ما يقولون فسمعتهم سباقة، و تكرير لم لا : والله لم أكن أعرف؟ ولماذا فلزات؟ كذالك كانت، لكن أين شغفك وحبك؟ لم لا يتدخلان في ذلك؟ فإن سألت هذا السؤال فكان من الأولى أن يكون عن الأصل لا الفرع؟ لماذا أنا هنا أصلا.
امرؤ في صغره تمنى أن يكون عامل كهرباء، كان يعشق الكهرباء لدرجة أن بداخله فولتات من كثرة ما تكهرب في صغره، ثم بعد ذلك أراد أن يكون مبرمجا أو مدرس رياضيات أو فيزياء! لماذا هو هنا الآن؟
والإجابة عن هذا أبسط بكثير من سؤال القسم، استخسار مجموع الثانوية وكلام يسمعه عن مكانة مرموقة وفخامة الاسم كذلك كان وكذلك يكون مستقبلا، أما القسم، سيأتي الحديث لاحقا إن شاء الله.
ايه يا نفس! أعوذ بالله من جحود نعمته علي أو إيلافها، فقد كنت أدعو الله بهذا المكان لأنه الأعلى لتخصص الرياضيات، وقد من الله علي بنعمته وأظنني قد وقعت في شيء من هذا الجحود أول أمري في السويس، لكني أرجو أن يعاملني سبحانه بكرمه لا بسوء أدبي.
أدركت ذلك مؤخرا أنا في نعمة لا حول لي فيها ولا قوة، كل ذلك من عنده فله الحمد والشكر أبدا.
ورغم كل ما قلت، فلست أندم لا على الكلية ولا القسم ولا السويس فقد أدركت لاحقا أن هذا من أفضل ما حدث لي، وبالنسبة للقسم فالحمد لله على ذلك أيضا، لا أراني من الأساس قادر على ملاحقة هؤلاء الحفرجية الذين تفر منهم الكتب هربا، ولا غيره من بقية الأقسام، أنا هنا في المكان الأنسب الذي قدره لي الله، وكل كذلك في مكانه، فالحمد لله على كل حال والشكر له على كل نعمة.
